Dr. Asa'ad Abu Khalil
from angry arabblogspot
http://angryarab.blogspot.com/2009/10/when-pa-collaborators-overplayed-their.html
كابول- من مارك بستيان
بعد ثماني سنوات على سقوط نظام طالبان اثر تدخل عسكري أميركي واسع، امتد تمرد هذه الحركة الأصولية ليشمل جميع أنحاء أفغانستان تقريبا، ما آثار المخاوف من هزيمة محتملة للدول الغربية في هذا البلد.
فبعد اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 شن الاميركيون في السابع من تشرين الاول/اكتوبر هجومهم على نظام طالبان الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة مدبر هذه الاعتداءات ليطردوا هذا النظام الاصولي من الحكم في بضعة اسابيع.
ويرى معهد الأبحاث اللندنية "المجلس الدولي حول الامن والتنمية" ان حركة طالبان التي أصيبت بالضعف الشديد مطلع 2002 اصبح لها اليوم "وجود قوي في افغانستان كلها تقريبا" حتى في مناطق شمال وغرب البلاد التي كانت تنعم بالهدوء حتى الآن.
واضاف المعهد ان الغموض السياسي، مع عدم معرفة نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في 20 اب/اغسطس حتى الان، يزيد الوضع تفاقما.
وفي الوقت الذي بلغ فيه العنف مستويات قياسية حذر الجنرال الأميركي ستانلي ماكريستال قائد القوات الدولية في افغانستان من "خطورة الوضع".
كما اعتبرت الباحثة الفرنسية في المركز الفرنسي للدراسات والأبحاث السياسية مريم ابو الذهب ان "طالبان في موضع قوة".
من جانبه اوضح السناتور الأفغاني ارسلان رحماني الذي يسعى الى التفاوض مع طالبان ان هؤلاء الباشتون "الاسلاميين القوميين" المتحدرين من الجنوب والذين يرفضون الاحتلال الاجنبي ما زالوا على ولائهم لمجلس شورى طالبان الذي يضم قادة هذه الحركة والموجود حاليا في باكستان حيث يترأسه القائد الاعلى للحركة الملا عمر.
وأوضحت مريم ابو الذهب ان "معظم عناصر قاعدة طالبان في الجنوب لا يتلقون اجرا، فهم مدفوعون بما تمثله طالبان: مسلمون وافغان يضحون بحياتهم في سبيل حرية أفغانستان. ففي الجنوب تتسم حركة التمرد بالطابع المحلي المحض، انها مقاومة لوجود القوات الأجنبية".
اضافة الى ذلك فان المال يمكن ايضا ان يكون دافعا قويا في هذا البلد الذي يعد خامس افقر بلد في العالم. واستنادا الى مصادر عسكرية غربية فان حركة طالبان تدفع ما بين ثمانية و12 دولارا في اليوم لهؤلاء المتمردين في حين ان الراتب المتوسط في البلاد لا يصل الى 100 دولار شهريا.
ويسهم الاستياء من القوات الاجنبية، التي تقتل مدنيين، واستشراء الفساد الاداري المزمن وتجاوزات المسؤولين الرسميين المحليين، في دفع المزيد من الرجال الى الانضمام لحركة التمرد.
اما بالنسبة لزعيم الحرب الباشتوني قلب الدين حكمتيار وحركته الحزب الاسلامي فيبدو ان "الاميركيين يريدون دمجهم في المجال السياسي بعد انضمام عدد من اعضاء هذا الحزب الاسلامي بالفعل الى الحكومة" وفقا للباحثة الفرنسية.
تبقى القاعدة التي كان القضاء عليها الهدف المعلن للتدخل الأميركي في أفغانستان.
ورغم ما اصاب هذا التنظيم من ضعف فما زالت لديه قاعدة في المناطق القبلية الباكستانية الحدودية مع أفغانستان.
ويرى الجنرال ماكريستال انه "رغم ان معظم المقاتلين المتمردين من الأفغان الا ان هناك مقاتلين اجانب، شيشان او عرب، مرتبطين بهذه الحركة يشاهدون بانتظام في البلاد" حيث يوفرون "تمويلا وتدريبا دوليين".
وتشير ابو الذهب ايضا الى وجود المزيد من "المقاتلين الناطقين بالتركية من الاذريين والاوزبك والترك" لا سيما في الشمال.
اتفقت تعليقات وسائل الإعلام العبرية على أن إسرائيل بلغت عبر «الصفقة المصغرة» التي شملت إفراج إسرائيل عن 20 أسيرة فلسطينية في مقابل الحصول على شريط مصور للجندي الأسير في قطاع غزة غلعاد شاليت، «نقطة اللا عودة» عن المفاوضات غير المباشرة مع حركة «حماس»، وهيّأت الأرضية لإنجاز صفقة تبادل أسرى تشمل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين «بينهم كثيرون من الملطخة أياديهم بدماء إسرائيليين».
ورأى المعلقون أن أجواء التعاطف العام مع الجندي وأسرته التي عمّت إسرائيل مع بث الشريط المصور وبعده وغذّتها وسائل الإعلام كلها، «ووقوف الدولة كلها كعائلة واحدة»، تتيح لرئيس الحكومة بنيامين نتانياهو أن ينفذ صفقة تبادل «بثمن باهظ وصعب» من دون أن يدفع هو ثمناً سياسياً شخصياً، لكنها أشارت أيضاً إلى أن هذه الأجواء حققت لحركة «حماس» ما رجته من مكاسب كثيرة من هذه الصفقة، في مقدمها تعزيز شعبيتها، فضلاً عن نجاح آخر في الحرب النفسية الدائرة مع إسرائيل.
وقال أكثر من معلق إنه لا يمكن لأي إسرائيلي، سياسياً كان أو عسكرياً أو مواطناً عادياً «أن يبقى غير مبالٍ حيال صورة غلعاد في الأسر». وكتب المعلق في الشؤون الفلسطينية في صحيفة «هآرتس» آفي يسسخاروف أن مسألة الفائدة أو الضرر لإسرائيل من إنجاز صفقة كبيرة تشمل إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين «لم تعد ذات صلة قياساً بالرغبة اليهودية والإنسانية لرؤية ابن الجميع عائداً إلى بيته».
وأضاف أن الشريط شكل مدماكاً مهماً في تهيئة الرأي العام في إسرائيل لتقديم «تنازلات مؤلمة» لـ «حماس». وتابع أن بث الشريط سيصعب على أعضاء الحكومة التصويت ضد صفقة تبادل أسرى «حتى إن كانت تضم أسرى من الوزن الثقيل ملطخة أياديهم بالدم». ورأى أن الشريط «حُفر في وعي الإسرائيليين» الذين باتوا يدركون أيضاً أن أياً من صناع القرار لا يفكر في عملية عسكرية لإنقاذ شاليت تعرض حياة الأسير وحياة جنود آخرين إلى الخطر.
إلى ذلك، لفت المعلق إلى أن إسرائيل تدرك أنها تمضي نحو إتمام صفقة ستشكل «طوق نجاة (لحماس) التي تعاني أخيراً من تراجع جدي في شعبيتها». وأضاف أن الإفراج عن نحو ألف أسير سيشكل بالنسبة إلى الحركة زخماً يتيح لها أن تجازف بالموافقة على إجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية النصف الأول من العام المقبل. وتابع أن إنجاز صفقة تبادل «سيثبت (من وجهة نظر حماس) أن طريق المقاومة التي تتبناها هي التي حملت إسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة وهي التي تضطرها الآن إلى الإفراج عن أسرى سبق أن رفضت طلباً لحركة فتح والسلطة الفلسطينية بإطلاق سراحهم».
«مهرجان إعلامي» يفيد نتانياهو
وانتقد معلقون بارزون «المهرجان الإعلامي المبالغ به» الذي رافق وتبع بث الشريط المصور. وكتب بن كسبيت في «معاريف» أنه بدا أن بث الشريط «حظي بتغطية تضاهي هبوطاً ثانياً لأول إنسان هبط على سطح القمر... عندنا كل قصور هو مهرجان». وأضاف: «من سيشرح لـ (رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس) أبو مازن أننا تنازلنا عنه ونفضل حماس عليه أيضاً في الضفة الغربية... في نهاية الأمر ستكون صفقة، وما كان أواخر الأسبوع هو إعداد لها. رئيس الحكومة قرر الذهاب إليها ويحضر قلوب الجمهور. لكن لماذا نسمي المهزلة التي كانت صفقة، فالصفقة تعني بضاعة لها ثمن، والثمن يجب أن يلائم سعر سوق هذه البضاعة وان يكون ذا صلة بالبضاعة».
واعتبر عوفر شيلح أن هذا المهرجان يفيد نتانياهو «الذي حسم أمره وقرر التوصل إلى صفقة بالغة الإشكالية مدركاً أن بث الشريط هو خطوة إلى غير رجعة نحو التوصل إلى الصفقة الكبرى».
وأشار المعلق عمانوئيل روزين إلى لجوء الإعلام العبري إلى وصف شاليت بأنه «ابننا جميعاً» وإلى سيل الكلام المنمق المفعم بالعواطف الجياشة مثل «نياط القلب تتمزق مع رؤية شاليت مرتبكاً» و «الأفئدة المنكسرة» وغيرها من الخطابة الرنانة و «الحِكم التوراتية». ورأى أن هذه «الفخفخة الكلامية» تصب في مصلحة رئيس الحكومة، «إذ تعفيه من إعلان موقفه من الثمن المطلوب لإتمام الصفقة وفي الوقت ذاته تتيح له دفع ثمن باهظ يقبل به الرأي العام ولا يؤذي شعبية رئيس الحكومة بل قد يعززها».
وذكّر المعلق بأن نتانياهو كرئيس للمعارضة عارض تقديم أي تنازلات لحركة «حماس» مقابل الإفراج عن شاليت، «لكنه نجح اليوم ومن خلال ترك حسم الأمر للإعلام وللرأي العام في إعفاء نفسه من أي مسؤولية». وزاد أنه بينما في دولة طبيعية، السلطة هي التي تقرر للشعب ما هو جيد للدولة بعيداً عن أية اعتبارات غريبة أو ضغوط، «فإنه في إسرائيل تختار الحكومة التخلي عن مهمتها هذه وتتيح للإعلام أن يقوم بالتغطية الواسعة المفعمة بالعاطفة والانفعال فيما الجمهور المتلقي يتماهى معه تماماً، وما على الحكومة سوى أن تقول إنها تبرم صفقة التبادل تلبية لرغبة الرأي العام».
من جهته، قال الصحافي المخضرم موطي كيرشنباوم إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتصرف كـ «دولة عائلية، كأن ما يحصل داخلها يحصل داخل العائلة، فنظرتها سواء إلى المأساة أو إلى النجاح عائلية، وهي لا تتصرف كسائر دول العالم حيث توجد عائلة وسلطة وشعب... لا توجد دولة جدية في العالم تعلق مصيرها بمصير شخص واحد كما تفعل إسرائيل».
وكتب أمير اورن أن «حماس» أدركت أهمية تسليم الشريط، ورأت فيها رافعة لحضّ الجمهور الإسرائيلي على الضغط على حكومته لتنفيذ الصفقة. ورأى أن الصفقة «أكدت مبدأ خنوع نتانياهو ولم يتبق سوى مسألة الثمن»، مضيفاً أن نتانياهو سيوقع على الصفقة في حال نجح في إزالة العقبة الأخيرة في الطريق إليها المتمثلة بمعارضة رئيس جهاز الشاباك يوفال ديسكين إطلاق سراح «قتلة كبار» وإعادة أسرى خطرين إلى الضفة الغربية .
من جهته، رأى النائب اليساري السابق يوسي سريد أن الإفراج عن الأسيرات مقابل الشريط المصور هو «تأكيد آخر على أن منطق ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بقوة أكبر قد ولّى». وأضاف أن «الصفقة المصغرة» تؤسس إلى منطق سليم أكثر يقضي بأن «ما لا يتم تحقيقه بالقوة يمكن تحقيقه بقوة أقل ومن خلال الحوار. لقد فقدت القوة من قوتها، لا أميركا ولا روسيا حققتا الانتصار بالقوة، أيضاً إسرائيل الصغيرة والمسلحة لم تحققه».
«حرب نفسية ناجحة»
وأقر خبراء في علم النفس بأن «حماس» نجحت في حربها النفسية التي تشنها على إسرائيل. وكتب مدير «معهد السياسة ضد الإرهاب» في «مركز هرتسليا المتعدد المجالات» الدكتور بوعز غانور ان الصفقة عززت مكانة الحركة «التي استغلت شعور الإسرائيليين بالإحباط حيال عجز الجيش الإسرائيلي عن رصد مكان اعتقال شاليت والإفراج عنه... وزادت المهانة عندما عدلت الحكومة الإسرائيلية عن نيتها عدم بث الشريط المصور كي تمنع حماس مكسباً إعلامياً إضافياً بقيامها هي ببث الشريط».
وتابع أن «حماس» نجحت في مسعاها لحضّ الإسرائيليين للضغط على حكومتهم لإنجاز صفقة تبادل، «إذ ستبقى صورة شاليت الأسير محفورة في الوعي الإسرائيلي وهذه الصورة هي التي ستحسم، من وجهة نظر حماس، النقاش داخل الحكومة الإسرائيلية من الصفقة». وزاد أن «مشاهدة الشريط تثبت أن التلميذ الحمساوي تفوق على أستاذه من حزب الله في موهبة الابتزاز والحرب النفسية».
على صلة، اعتبر البروفيسور في علم النفس غابي فايمان الشريط «مدماكاً آخر في منظومة الحرب النفسية التي تشنها حماس»، مشيراً إلى أنها «ليست المرة الأولى التي تلعب فيها حماس على المشاعر والمراوغات النفسية». ولفت إلى أن الحركة «أرادت من الشريط تسريع صفقة التبادل وتحسين موقع مساومتها، وأيضاً البث للعالم أنها معتدلة ومتسامحة»، مضيفاً أن «العواطف الجياشة التي تملكتنا تخدم المصالح المستهترة لحماس... إنها لا تقوم بذلك لتفرحنا أو تثير انفعالنا، إنما كبوق دعائي لتشكل رافعة ضغط على صناع القرار».
في سياق هذه التطورات، وانضمام عدد كبير من النقابات والمؤسسات والشخصيات الهامة في أكبر الدول الغربية إلى حملة المقاطعة ضد إسرائيل، جاء تقرير غولدستون ليعلن عن مرحلة جديدة قد تشهد بداية النهاية للحصانة الإسرائيلية الفاقعة أمام القانون الدولي. وعندما استشعرت إسرائيل بهذا الخطر الاستراتيجي الذي أحست بعدم قدرتها على مجابهته بأسلحتها التقليدية الدبلوماسية والسياسية، لجأت لأهم أسلحتها علىالإطلاق في الفترة الأخيرة، التواطؤ الرسمي الفلسطيني القادر على إلغاء أي قرار دولي بحق إسرائيل أو تهميشه تحت شعار حماية «مسيرة السلام» وعدم «تأزيم الأمور» مع «الجانب» الإسرائيلي. ما قاله مندوب فرنسا في جنيف عند سحب السلطة الفلسطينية البساط من تحت أقدام تقرير غولدستون، يكشف ببلاغة مكمن قوة هذا السلاح الإسرائيلي الفتاك: «لن نكون فلسطينيّين أكثر من الفلسطينيّين!»
هنا تكمن الكارثة الحقيقية التي جلبتها اتفاقية أوسلو للقضية الفلسطينية؛ فقد نركز أحياناً في نقدنا ورفضنا لاتفاقية أوسلو على تجلياتها الملموسة على الأرض، من تفشي الاستعمار الصهيوني للأرض الفلسطينية الباقية وتهويد القدس وسياسة التطهير العرقي البطيء للمواطنين الفلسطينيين إلى خارج الوطن؛ ولكن هذا بحد ذاته لا يكفي، إذ أننا لا بد أن نسلط الضوء على ما هو أهم من كل ذلك على المدى البعيد، وهو تحويل السلطة الفلسطينية إلى سيف تضرب به إسرائيل كل المحاولات العالمية الفعالة لإلزامها بالقانون الدولي، وتستخدمه لإخراس مناهضي سياستها حول العالم، ولسان حالها يقول: إن كانت القيادة الفلسطينية راضية وتجلس معنا في جلسات تفاوضية ودية، فلماذا تزايدون؟ ألا ترون أن مقاطعتكم لنا ستضر بالمسيرة السلمية؟
لا بد من التفكير جدياً بمسارين متوازيين ومتزامنين:
يتمثل الأول في استرجاع الشعب الفلسطيني منظمة التحرير الفلسطينية، كممثّله الشرعي والوحيد، بتفعيل المؤسسات والاتحادات الشعبية للقطاعات المختلفة أو إعادة إحيائها في كل أماكن وجود شعبنا، على أسس ديموقراطية ودون استثناء القوى السياسية الفاعلة، بحيث تُنتخب هيئات قيادية لتمثيل هذه القطاعات في الهيئات المختلفة للمنظمة، من أسفل إلى أعلى، وصولاً إلى قمة الهرم السياسي الفلسطيني. أما المسار الثاني فهو حل السلطة الفلسطينية حلاً تدريجياً ومسؤولاً، بينما تستعيد منظمة التحرير، المنبعثة من جديد، كل مفاتيح التمثيل منها، وأهمها مقاعد تمثيل الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة ومؤتمر القمة الإسلامية وجامعة الدول العربية وجميع السفارات الفلسطينية بالعالم. ويجب ألا يُسمح في عملية استعادة الشعب الفلسطيني مقاليد تمثيله هذه بوجود فراغ دستوري في أي وقت، إذ أن التاريخ يعلمنا أن القوى المهيمنة هي التي عادة ما تملأ الفراغ. بدلاً من الغرق في اليأس والتقوقع أو التطرف في المطالبة بتدمير كل شيء والبدء من الصفر، وكأن مؤسسات الشعب لعبة «ليغو»، آن الأوان ليضطلع كل الفلسطينيين في كل مكان بمسؤوليتهم التاريخية ودورهم المنشود في هذه اللحظة الفاصلة، بتنظيم أنفسهم في نقابات ومؤسسات عصرية وديموقراطية والإصرار على استعادة المنظمة ممّن صادروها وهمّشوها وحوّلوها إلى جسم واهن يتلقى تمويله من سلطة باتت تمثّل الخطر الأكبر على حقوقنا الوطنية، وبالذات حق العودة وتقرير المصير.
* محلل سياسي فلسطيني وعضو مؤسّس
في حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها
من لم يلاحظ ملمحا جديا في ذهول الوجوه في جنيف؟ لقد ذهل حتى من سمكت جلودهم لكثرة استخدام مادة حقوق الإنسان أداة في السياسة والخطابة. لكنه الذهول من كون الفضيحة تكمن في عدم وجود فضيحة. فالفضائح تصدم عادة بعد انكشاف (أو ادعاء انكشاف)، أي انفضاح، معلومات استترت عن العيون حتى اللحظة. وتصاغ المعلومات الجديدة على شكل قصة مشينة بمعايير الغالبية، وبمعايير أبطال القصة: سرقة، خيانة وطنية، تآمر مع العدو لتسليم أصدقاء، مصالح مالية وراء موقف سياسي مفاجئ وغريب... في جنيف كان كل شيء واضحا إلى حد الذهول.
لقد ارتسم الذهول على النفوس والوجوه من شدة الوضوح والمجاهرة وليس من وطأة الانكشاف. ويكتفي المذهولون من الوضوح بالتعبير عن الدرجة بإضافة عبارتين: "كنت أعلم... ولكن لم أتوقع أنهم وصلوا إلى هذا الحد".
جرت العادة أن تطالب حركات التحرر "المجتمع الدولي" باتخاذ موقف من جرائم الاحتلال. تحاججه وتحرجه بازدواجية معاييره الداخلية والخارجية. تتوسّله. في جنيف كان ما يسمى زورا وبهتانا بـ"المجتمع الدولي" محرجا سلفا بتقرير جاء مفاجئا بالتفاوت بين التوقعات من معدِّه المكلَّف به والمؤتمن عليه من جهة، وبين مضمونه من جهة أخرى. وهدّدت إسرائيل السلطة علنا وليس سرا.
مرة أخرى أكرر: هددهم نتنياهو وغير نتنياهو علنا في خطابات متكررةٍ بأن استمرار ما يسمى زورا وبهتانا بـ"عملية السلام" وتلبية "مطالبهم الاقتصادية" مرهون بعدم تأييد التقرير الأممي الذي يدين إسرائيل على جرائمها في عدوانها الاستعماري على قطاع غزة. أما ليبرمان فقد هدد بالكشف عن تورط السلطة الفلسطينية في دعم الحرب الإسرائيلية. وتراجعت السلطة علنا عن تأييد التقرير.
فالتأجيل في عرف الهيئات التي تحشد رأيا عاما وترقّبًا وأصواتا هو تنفيسٌ لجهد، وهو في الواقع إفشالٌ لمشروع قرار. ثم عندما يتراجع "صاحب الشأن" عن القضية يصبح بإمكان الآخرين أن يتحرروا من العبء. لينتقل صاحب الشأن بعد ذلك إلى الاختباء وراء تحرر الآخرين من العبء.
مكتب رئيس السلطة يسرّب معلوماتٍ بأن الضغط للتراجع عن دعم التقرير جاء من مكتب رئيس الحكومة، والأخير يؤكد العكس. وطرف ممن كان يسارا فلسطينيا يدين "الموقف المخجل" للمندوب الفلسطيني في جنيف، وكأن الأخير هو صاحب قرار. في حين أن ممثل الفصيل اليساري يجلس في الحكومة صاحبة القرار، ويؤيد الرئيس صاحب القرار.
وخذ على هذا المنوال! عارنا في جنيف. الوجوه كالقديد، وفقدان ماء الوجه بلغ حد التحنط.
شهدت مناقشات الجمعية العامة إبان الحرب على غزة مجريات مخزية شبيهة بعملية إفشال مشروع قرار قطري باكستاني قدم في حينه والقصف جارٍ. وقد ذُهِلَ الكثيرون -من بينهم رئيس الجمعية العامة في حينه- من علنية الجهد الفلسطيني في إفشال مشروع قرار لإدانة إسرائيل.
على كل حال يعرف القاصي والداني كيف يقوم طرف بمهمة ما وهو يُجَرُّ إليها جرا. كانت الشماتة أثناء الحرب سافرة. وليس المقصود شماتة بدائية، بل شماتة سياسية عقلانية تبنى على ضرورة أن يستنتج الشعب الفلسطيني أن الموقف الداعم للمقاومة يؤدي إلى التهلكة، وأن موقف التعاون مع إسرائيل يقود إلى الرخاء.
المشكلة بالنسبة لمن يتمسك بالحقوق الفلسطينية لا تكمن في شح أو قلة المعلومات. وإذا كان من أمر يميّز عصرَنا هذا فهو وفرة المعلومات ومصادرها، وتحوّل الإشكال إلى تصنيفها وفصل قمحها عن زوانها، وتجنب قراءة مؤامرة أو حكاية وراء كل تفصيل.
تكمن المشكلة في التردد والتأرجح بين الانجراف مع خطاب الأنظمة الرسمية العربية القائمة والإعلام القائم من جهة، وبين خطاب عربي فلسطيني من جهة أخرى. والأخير لا يستقي مشروعيته مما يسمى الشرعية الدولية، ولا من قرارات مجلس الأمن، ولا من عملية السلام، ولا من خطاب الدولة العربية القـُطرية، بل من التناقض بين هدف وحدة الأمة وتحرير الإنسان العربي وعروبة قضية فلسطين من جهة، والمشروع الصهيوني من جهة أخرى.
ولن يسعف الموقف المتمسك بالحق والعدل لشعب فلسطين إلا الحاجة الشعبية والمجتمعية لخطاب سياسي عربي ديمقراطي مقاوم. وهذا ما لدى أصحاب هذا الموقف ليقدموه.
يجري حاليا توليد مشروع دولة فلسطينية هزيلة فاقدة السيادة، وهي فاقدة للشرعية التاريخية لأنها تقوم على مقايضة الدولة بحق العودة وبالقدس وبالانسحاب. وتشهد هذه الأعوام عملية تشكل شخصيتها. وقد التقى مشروع الدولة الفلسطينية مع إسرائيل قبل أن يولد، وذلك في أغرب تقاطع ممكن. التقيا على منع محاسبة دولة الاحتلال دوليا على جرائم ارتكبتها بحق شعب فلسطين .
ما بعد الحرب على غزة
قيل الكثير حول مجريات الحرب ذاتها ونوع المقاومة والصمود في قطاع غزة. وقد سجّل السياق السياسي لتلك الحرب سوابق خطيرة. ففي ظل الانقسام الفلسطيني الداخلي ثبت أن جزءا من النخبة السياسية الفلسطينية جاهز للتنسيق مع المستعمِر في سياق حسم صراع سياسي داخلي. وبهذا المعنى اتخذ الانقسام الفلسطيني طابعا جديدا لم تعرفه الانقسامات السابقة داخل حركة التحرر الوطني الفلسطينية.
يلقي هذا الطابع الجديد بظلال الشك حول ما إذا كان الانقسام هو فعلا انقساما داخل حركة تحرر، بحيث يتم تفاديه بالدعوات إلى الوحدة، وبالمناشدات الموجهة للإخوة بتجاوز خلافاتهم وتسخيرها في خدمة التناقض الرئيسي. وهو الخطاب القائم على مستوى التيار القومي وعلى مستوى الدول العربية في الوقت ذاته. وقد تجاوَزَتْه التطورات برأيي.
فموضوعيا التناقض الرئيسي هو مع إسرائيل، ولكن نشأت بنية اقتصادية سياسية لنخبة فلسطينية لا ترى فيه التناقض الرئيسي... وليس ذلك بسبب عدم وعيها لمصالحها، بل بسبب وعيها لها. فقد نمَّت مصالح جديدة في ظل التعاون مع إسرائيل، وفي ظل هيمنة الأخيرة.
لا يشبه الانشقاق الحالي انشقاقات فلسطينية سابقة حرَّكتها ولاءاتٌ عربية متنازعة، أو أججتها صراعات على النفوذ، أو حتى خلافات سياسية داخلية فعلية. وطبعا، يزيد تطابق الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وقطاع غزة من حدة الانشقاق الحالي، كما يزيده وضع الخطاب الديني في مقابل العلماني حدة. ولكن مميزه الأساسي أنه لم يعد يجري في إطار حركة التحرر، بل بات شرخا بين سلطة موالية للاحتلال وحركات مقاومة دينية الخطاب غالبا.
وتُستَخدَم هذه الحقيقة الثانية، أي دينية الخطاب عند حركات المقاومة، من قبل مؤيدي التسوية أو أعداء المقاومة، وحتى من قبل فصائل ضعفت مكانتها، للتهرب من المسألة المركزية. وهي الفرق بين حركات مقاومة من جهة، ومن يتعاون مع الاحتلال في قمع المقاومة من جهة أخرى.
هذه هي الحقيقة الأولى في سياق الاحتلال. لأنها تتعلق بالموقف من الاحتلال، وتميّز بين مقاومته والتعاون معه، وليس بين دينية أو علمانية من يقاوم أو يتعاون. وكانت سوف تتخذ مسارا مشابها لو كانت حركات المقاومة الفاعلة علمانية. وتتجلى هذه الحقيقة في:
أ. استبعاد سلطة أوسلو علنا لأي أداة في "الصراع" مع إسرائيل فيما عدا التفاوض. وصار اسم الصراع أصلا "خلافا" مع إسرائيل. وتتردد في الخطاب الإعلامي العربي كـ"خلاف بين الطرفين". والحقيقة أن التنازل عن العنف في حل "الخلافات العالقة" هو الموقف الذي يُعلَن عادة بعد توقيع اتفاق سلام. وهذا يعني أن العلاقة بين السلطة وإسرائيل هي علاقة سلام، أو هي علاقة تفاوُض في ظلِّ "السلام والأمن" وليس من أجل "السلام والأمن"، وهذا حتى باللغة الإسرائيلية. ومن هنا ليس ثمة ما يضغط على إسرائيل.
ب. تبنّي محمود عباس وطاقمه، الذي أصبح بعد مؤتمر فتح الأخير قيادةً رسمية للحركة، ما حاول ياسر عرفات التهرب منه طيلة فترة ترؤسه للسلطة الفلسطينية، وهو التنسيق الأمني (الجدي) مع إسرائيل. وقد كانت إسرائيل تشكو من هذا التملص العرفاتي، مؤكدة أن التنسيق الأمني بموجب أوسلو ثم خارطة الطريق، هو مهمة السلطة الأصلية، وهو كفيل بحل "مشكلة الإرهاب".
وقد أدى التنسيق الأمني المكثف مع إسرائيل مؤخرا إلى:
1. فقدان طابع وثقافة وأخلاقيات حركة التحرر الوطني، وما يفرزه ذلك من إسقاطات على الوعي الشعبي.
2. القمع المباشر للمقاومة بالقتل والسجن، وتعقيد ظروف المقاومة بشكل خاص في الضفة الغربية.
3. قيام أجهزة أمنية فلسطينية جديدة مؤلفة من أجيال جديدة لم تكن منظمة في الكفاح المسلح الفلسطيني في الخارج، وتتلقى تدريبا أميركيا عربيا تتخلله تربية عقائدية تنمّي ولاءً للسلطة وأجهزتها، وليس لمنظمة التحرير، وشطب كامل لصورة العدو الإسرائيلي واستبدالها بصورة المقاوم الفلسطيني الذي يهدد الأمن والنظام والسلم الاجتماعي ويخرق الاتفاقيات الموقعة.
4. زوال أي رادع أمام أي دولة في العالم، بما فيها الدول العربية، من التنسيق أمنيا وليس فقط سياسيا مع إسرائيل. خاصة إزاء تأسيس سابق وانتشار لمقولة "الممثل الشرعي والوحيد"، و"أصحاب القضية"، و"أهل مكة أدرى بشعابها".
ت. كما تتجلى حقيقة هذا التعاون مع الاحتلال في موقف إسرائيلي ودولي يعيد البناء في الضفة بعد الحرب على غزة، بدل أن يعيد البناء في غزة، وذلك لتعزيز منافع المواطن من تأييد سلطة في ظل الاحتلال مقارنة مع الحصار على غزة الذي "تسبب فيه" تأييد حركة مقاومة للاحتلل.
وحتى في أوج التضامن العربي والدولي مع قطاع غزة لكسر الحصار كان الاعتبار الأساسي هو مساعدة السلطة في الضفة لتشكِّل بديلا سياسيا عن حماس في أي انتخابات قادمة. وساد تنسيق كامل بين السلطة الفلسطينية وأطراف عربية بشأن إحكام الحصار على غزة، والقيام بخطوات تجهض التحركات الدولية لتخفيف الحصار، وتضع زمام المبادرة الدولية وحتى العربية الرسمية بيد سلطة أوسلو عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
ومن هنا تحول مؤتمر شرم الشيخ مثلا من مؤتمر لإعادة البناء في غزة إلى استعراض التفاف دولي غربي حول أنظمة الاعتدال وحول سلطة أوسلو بعد أن تعرضوا جميعا لعزلة شعبية ونقد عربي في مرحلة الحرب. وما زال الحصار على غزة يشتد. وتم إشغال الرأي العام الفلسطيني والعربي بالمصالحة في القاهرة، ثم بجولات ميتشل المكوكية، التي لا تعتبر غزة جزءا من الاتصالات.
لقد شجع هذا الواقع سلطة أوسلو على عدم التعاون بشأن التوصل إلى تفاهم للوحدة الوطنية في حوار القاهرة. فما تريده وتعلن أنها تريده هو اتفاق ببند واحد. وهو موعد وطريقة إجراء الانتخابات لرئاسة السلطة ومجلسها التشريعي. وهي تطمح لإجرائها في الضفة الغربية وغزة، أو في الضفة الغربية وحدها في حالة عدم موافقة حماس على إجرائها في غزة، ثم الطعن في شرعية حكومة غزة مع ما يرافق هذا النوع من التحريض عادة من اتهام الحركات الإسلامية بأنها تستخدم الانتخابات للوصول إلى الحكم ثم تتخلى عن فكرة الانتخابات و"الديمقراطية". وهي ادعاءات خارجة عن أي سياق.
لقد جرت انتخابات ديمقراطية لم يعترف "المجتمع الدولي بنتائجها" بل حاربها وقوضها وحاصرها بالتعاون مع الخاسر المحلي في الانتخابات. وأقيمت حكومة بديلة بقيادة من خسر الانتخابات وبقيادة رئيس حكومة حصلت قائمته على ما لا يزيد عن 2% من أصوات فلسطينيي الضفة والقطاع.
إن إجراء الانتخابات الفلسطينية وهذا التحمس الديمقراطي لإجرائها على أنقاض الديمقراطية، وذلك كبندٍ وحيدٍ على الأجندة، لا يساهم فقط في تهميش ما لم يعد قضية مؤيدي التسوية الأساسية، ألا وهو الاحتلال، بل يُشَرعِنُ استخدامَ الحصار والضغط الجسدي والنفسي في عملية انتخابية.
وإذا ما جرت الانتخابات في ظل الحصار، ودون إعادة بناء قطاع غزة، ودون تفاهم فلسطيني/فلسطيني يتضمن الإفراج عن المعتقلين السياسيين عند الحركتين، فلن تعني هذه الانتخابات سوى عملية تزوير واسعة النطاق لإرادة الشعب الفلسطيني باستخدام القوة. فالناخب الفلسطيني فيها مخيّر بين اختيار سلطة وطريق ونهج أوسلو وجنيف (أقصد جنيف غولدستون) و"منافع" دعم التسوية والتعامل مع الاحتلال، وبين استمرار الحصار. وهذا يعني إجراء انتخابات بمسدس موجه إلى جبين الناخب.
يثبت هذا الواقع الذي وصلت إليه غزة أن حركة المقاومة لا يمكن أن تستخدم قواعد اللعبة التي يتحكم فيها الاحتلال دون أن تدفع الثمن. فالانتخابات هي لعبة على منصة الاحتلال وعلى حلبة العمل السياسي العلني في ظل الاحتلال، وتولّي السلطة هو لعبة تدور على حلبة اتفاقيات أوسلو وعلى حلبة النظام الدولي الذي يتبناها، وتعني تحمل مسؤولية القيام بأود الشعب تحت الاحتلال في ظروف تدعم فيها الدول العربية التسوية وشروط الرباعية رسميا (الاعتراف ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقيات الموقعة)، وترفض فيها دعم سلطةِ مقاومة. كما تتبنى الموقف الدولي القائل بتخيير حماس بين السلطة وتولي حاجات وهموم الناس اليومية وبين المقاومة ورفض التسوية.
هنالك بعض الثغرات في هذا الحصار الإسرائيلي العربي الرسمي المضروب حول المقاومة (وحلقته الرئيسية هي السلطة الفلسطينية التي تتعاون مع إسرائيل ضد المقاومة باسم الممثل الشرعي والوحيد). ومنها خلافات عربية/عربية تنافسية أو مملوكية الطابع، ومنها غضب عربي من استغناء السلطة عن بعض الأنظمة في تنسيقها مع أميركا وإسرائيل. (وبالعكس تحاول السلطة مؤخرا استخدام هذه العلاقات المتميزة مع أوروبا والولايات المتحدة لعرض خدماتها على دول عربية معزولة غربيا لتقريبها من وجهة نظرها ضد المقاومة).